التفكير من حق طبيعي الى عملية مدنّية مركبة
21 juillet 2013, 20:15
اذا
كانت الاشكالية تعبير عن مستوى معقد من التطور المعرفي , وهي في نفس الوقت
تداخل مجموعة مشكلات متعددة,وبصيغ مركبة, لا تبحث عن حل لها , وانما تحتاج
الى منهجيات محددة للتعامل معها , قصد تبسيطها او تفكيكها او اختزالها الى
مصفوفات مشكلاتية, واستنساخ مشكلات فرعية او جزئية لها. لكن تتضح
الاشكاليات التي يتم الاشتغال عليها بقدر الوصول الى مناقشات عميقة
واستخدام ادوات فعالة , لانها تتجاوز مستوى الافكار , باعتبارها- يعني
الافكار -متشعبة لدرجة التباين والتباعد في المستوى, ودرجة الوعي الحاصلة
اثناء وبعد عملية التفكير , والاشكالية تتضمن في الغالب تناقضات بنيوية
معقدة ,وجدليات متوازية , لا يمكن الغاؤها لانها هي روحها التي تستمد منها
شرعيتها وتمييزها عن السؤال والمسالة والمشكلة, والتي بامكانها ان تحتويهم
جميعا من خلال بنيتها التفكير الية ذاتيةوراقية , لها علاقة باهتمامات الشخص وانتماءاته الايديولوجية وقناعاته الفكرية والفلسفية , ولا تتحول الافكار بالضرورة الى مبادرة , باعتبار ان المبادرة ذاتها محكومة بالوضع السوسيو ثقافي للاشخاص ومشكلاتهم وميولاتهم وبنيتهم السيكولوجية المعقدة , لذا فتفعيل الافكار يتطلب وجود استراتيجية عملية , تصل الى حد القدرة على دفع الجدال الى مستوى النقاش المفتوح ’ من اجل الوصول الى تاسيس ارضية سوسيو مدنية تقبل الاضافات وتجعل الافكار والمبادرة جزءا مهما من حركة التطور الحاصلة في المجتمع الناشئء, وفي حياة الناس , وبذلك يكون التفاعل والتجاوب اكبر وارقى واضمن لاستمرار العملية. اذا كان التفكير عملية تمارسها الذات , كاشفة بذلك درجة من التحرر ومستوى من النضج , وحدّة ودقة في تبلور الوعي , فان المبادرة -في التفكير- على مستوى الفرد تعتبر جراة ومغامرة واستعدادا لتحمل تبعات نتائجها. لذا فالتفكير مسؤولية ذاتية واخلاقية , اما المبادرة فانها تاخذ مساحة اوسع وبابعاد متعددة تتجاوز الفرد لتمتد الى الجماعة والفئة والطبقة والنخبة والحركة , لذا فهي عملية تنظيمية وانضباطية ومدنيّة وتحتاج الى هيكلة, والا فانها تصبح مهددة وزاحفة نحو ما هو قائم ومستقر . فالمبادرة ترقى بما تصبو اليه - ومن خلال رموزها وخطابها وقدرتها على توظيف عناصر اكبر ومؤيدين جدد - الى مستوى الرسالات المنيرة والفاتحة للافاق, والمحررة للطاقات المعطلة, والمحفزة للهمم ,خلال ادوار جديدة غالبا ما تؤدي الى حصول جدل ونقاش ونقد وحركة في التفكير واعادة التنظير او الحاجة اليه . التجارب المدنية اثبتت ان قوة الحديث والتحدث والاستعداد للاستماع تسمح بطرح مضامين اكثر كثافة وعمقا, وتفتح مساحات جديدة للعمل وفضاءات اوسع للنقاش مانحة فرصا لاطراف متزايدة للانخراط في عملية دفع وتهذيب وتننشيط التفكير الاجرائي الى مستويات متطورة, عندها تبدا المواضيع بالتبلور ومعالم حقل المعرفة بالبروز للدخول في مرحلة الحوار والنقاش وامكانية التاسيس النظري لمرحلة لاحقة للمعرفة ممارسة وانتاجا . ان التطور المفصلي سيؤدي الى وضع عتبات جديدة تسمح بمماسة النقد والمراجعة , ذلك انه وعبر التاريخ البشري اثبتت التجارب ان ما اخرج الشعوب نحو افاق ارحب هو نفسه الذي اعاقها فيما بعد -في غياب النقد- وعندما تحول الى سلطة , لانه لم يسمح بالتطورات المفصلية واحداث قطيعة منهجية ومعرفية وحتى مفاهيمية, وهو ما سدّ الافاق والاحلام والامال والطموحات ( سواء كانت التجربة ايديولوجية او دينية او سياسية او فكرية او فنية او حتى عاطفية ...). اما من وجهة نظر تطبيقية ومحايثة للواقع , فالتفكير تنوع من استجابة لضغوطات حادة ونتائجه وخيمة امام السلطة المهيمنة على الحقل المصادر من طرفها, الى هواية لها علاقة بالطبيعة النفسية والسيكولوجية للذي يمارس التفكير- لكي لا نقول المفكر - الى ترجمة القلق والحيرة الدافعة الى انتاج كم هائل من الاسئلة, التي غالبا ما تشك فيما هو قائم فتصطدم مع السلطة ,والى انخراط في عمليات نضالية ورسالية تدعو الى تجاوز الاحكام السائدة ,واعتبر ذلك ثورة على الواقع, وصولا الى تحول التفكير الى مهمة مؤسساتية تنظيمية للانتاج المعرفي , تشتغل على اشكاليات محددة وداخل حقول مرسومة المعالم, تم توفير كم هائل لها من الادوات والمناهج والتطبيقات ,امام مجموعة فرضيات واسقف من الاحتمالات والافتراضات وتوظيف للسندات بتقنيات واساليب محددة سلفا , وبعض المرات من اجل الوصول الى افكار وحقائق رسمت ملامحها مسبقا مع المعطيات المقدمة. لقد تغير التفكير من عملية يمارسها الهامش والمهمش, من اجل صناعة رمز منافس للمركز المهيمن ( سواء كان النشاط نبويا او فلسفيا او ثوريا او نشاطا ثقافيا عضويا,,,) داخل البنى والمنظومات المختلفة القادرة على خلق وضعيات محرجة قصد التحرر, الى عملية مركزية وهيرارشية خاضعة لمجموعة استراتيجيات , التزاما ببرامج ومشاريع, واحتراما لتخصصات وحقول . لم يبقى التفكير ماساة او متعة او عمل جنوني او بطولي , بل اصبح وظيفة وحلقة مفصلية داخل منظومة محكمة توفّر كمّا هائلا من المعلومات والمعطيات وخلاصات للدراسات المتعددة ونتائج الابحاث والتعاليق والقراءات واشكال النقد المختلفة داخل مساحات مضبوطة ودقيقة ,سواء كان التفكير علميا او اكاديميا او فلسقيا ... ان تطور المدنية وتعقد نظم الحياة بقدر ما نشّطا العقل وضبطا التفكير بقد ما حوصر الاول( العقل) ضمن تصانيف ميكانيكية لغوية ومفاهيمية ,وصودر الثاني (التفكير) ونتائجه لصالح الهيئات الدوغمائية والايديولوجية واللاهوتية . ان عملية التفكير او(صناعة التفكير) بقدر ما تكاثف انتاجها بقدر ما حرمت الشخص البسيط من الفرصة او القدرة او الحق في التفكير (حتى امام امور خاصة له) وعلى هذا الاساس برز تصنيف حديث للقدرات , فالمؤسسة التربوية او العلمية او الدينية او السياسية او المجتمعية, بقدر ما عملت على تدريب الاشخاص على التفكير بقدر ما كانت نتائج الترتيب والتصنيف ماساوية صنعت التفرقة والتباين في الواقع . لقد اصبح التفكير عملية مركبة خاضعة لتوزيع العمل وفق النظام الاقتصادي السائد, وبالتالي فهي نشاط متعدد الابعاد وحقل صراع هام واساسي في عملية صناعة الحياة على الارض , ولم يبق التفكير فرصة متاحة للجميع او حقا من السهل نيله. لذا انتشرت السذاجة والبلادة والغباء والحماقة حتى لدى الذي تلقى تكوينا مدرسيا معتبرا او له مستوى ضمن هيرارشية التعليم والتكوين عموما ,فيمكن توظيفه من طرف الهيئات والقوى الفاعلة والموجهة لمصائر الناس , واما الابداع فلم يبق امرا يشد الانتباه والصانع للانبهار وانما اصبحت تحكمه الدقة ويتم على مراحل متعددة ومركبة ومعقدة يشتغل على جزئيات لا ينتبه لها ,لانه وببساطة اصبح مضمونا,ومحتوى, يخضع لتقنيات عالية واسرار غائبة امام الخطابات و الدعاية والاعلام الجماهيري الموجه للكتل البشرية الموظفة والمصاغة اعلاميا وايديولوجيا ودوغمائيا ( كتلا تعجز عن التفكير او افقدتها المنظومات القائمة ملكة التفكير الطبيعية) فاصبحت محتاجة الى وصايات تفكر لها وتقترح عليها المبادرات , وبذلك دخلت مرحلة العجز والضياع والبلادة , وشكل القطيع , وازدادت مساحة اللاشعور عندها على حساب الضمير والوعي
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire