الاستيلاب حتمية تاريخية أم غياب وعي
5 août 2013, 13:19
ان
كثيرا من الشعوب, والمجتمعات, والجماعات ,والافراد ...خاضعة في حياتها
لهيمنة مراحل تاريخية كبرى, غالبا ما تكون ممتدة او متقطعة ومنقطعة ,يمكن
اعتبارها مراحل فارغة في عمليات التطور, تتعطل فيها اليات التفاعل مع
الحياة والقضايا الكبرى المهمة والمصيرية , فتطغى عليها الفوضى والضبابية
والتراشق بين عناصرها والتعجرف على الرموز , فيتحجر عندها التطور التاريخي,
وتلجأ بذلك الى استهلاك الفائض الذي انتجه غيرها ,اما اجيال سابقة
وتاريخية ,أو شعوب ومجتمعات اخرى معاصرةلها وانية , هذه الاخيرة تعمل على
التخلص مما يعيق استمرارية تطورها و تصديره, بحثا عن مساحات جغرافية
وبقافية ومدنية وسياسية فارغة , يحكمها الفقر ويمكن استغلالها وتوظيفها
واعادة صياغة عالهما وحياة شعوبها, فتتأسس بذلك التبعية لمنظومات تاريخية
وغريبة , وافدة واجنبية, ترهن هوية ومصير التشكيلات السابقة -افراد, شعوب
,مجتمعات وجماعاتففي الحالة الاولى-هيمنة الاجيال السابقة - تلتهم هاته التشكيلات التراكمات التاريخية وتراثها ,واساطيره, وخرافاته, وسحره ,وحماقات اهله , دون قدرة على ضبط وادراك اليات تطوره التاريخاني , تمكّنها من قراءته او فهمه او الحفر في اعماقه وتحريره من اللامعقول, وتخضع بذلك- هذه التشكيلات حتى لا نقول البنى- لاليات القوانين الكبرى للتاريخ بحتمياتها واكراهاتها وقهرها , ,او التّوفيق في رسم معلم لخلفياتها أو حقل لحركتها , او أفق لتصرفاتها ,صناعة توازن واسقرار نسبيين يكونان شرطا لفرصة انطلاقها او اللقدرة الى الوصول الى استيعاب للمسالة التاريخية ,او ايجاد حل لمشكلة الهوية عندها والتي تمزق انسجتها وتغذي صراعاتها الدائمة مع بعضها وتحرمها من ان يكون لها راء ومقف واضحين من القضايا الحرجة
وفي الحالة الثانية -مجتمعات ومدنيات معاصرة- تجمّع ما يصلها من فائض مادي ومعرفي وتقني.. , دون انتباه لاختلاف السياق التاريخي والحضاري والمدني للمجتمعات والافراد والدول , وأن ما أنتجته شعوب الفائض -تاريخيا او حضاريا- انما تم استجابة لاشكالياتها وقضاياها المطروحة عليها بملكات وقوى ومواهب ابنائها واجراء عمليات جراحية كبرى لتاريخها وواقعا وقناعاتها , وصولا الى درجة من الابداع الذي سمح لها بتجاوز المشكلات الناريخية المعقدة عندها وربما لدى الكثير من الشعوب الاخرى احيانا ,ومنحها فرصة اخضاع الاخرين -الذين يقعون خارج عوالمها ومدنياتها- الى اليات نظام توزيع العمل الاقتصادي بغض النظر عن الايديولوجيا المنتهجة في صياغة وتاطير العقل والانتاج المعرفي والنظم بجميع اشكالها والتنظيمات المختلفة للحياة بما فيهاعالم اللذة والمتعة والرفاهية والغريزة والجسد ,فتجعلهم امتدادا لها ومساحات للخضوع , لذا فانها لا تصل الى احداث نسقية فيما التهمته او جمّعته ,بعيدا عن اخراج نموذج متميز مناف او موازي للنماج المهيمنة على العالم
ان البنى الثقافية واللغوية والمعرفية والاجتماعية والعمرانية كاصحابها , عاطلة ومؤجلة الاشتغال الى حين , تعيش حالة جحاوية-نسبة الى حجا- او دونكيشوتية -نسبة الى دونكيشوت-, - فتتنتج وضعا يطبعه الفقر والتطفل والطمع والاحتيال والتزوير على اغلب المستويات الخاصة والعامة , دون حصول ادراك لديها , ذلك لغياب الانا المتحررة من اللاوعي التاريخي , وهو ما يجعلها وفي جميع الاحوال لا قيم عندها وان تلفظت بها, ولاتستطيع الالتزام بها وان حاولت, لانها تعيش الاستيلاب والخواء الداخلي وانعدام اللحظة التاريخية للتطور
يزداد التشوه في هاته الوضعية -حتى على مستوى عالم الاشياء- بعثرة , فوضى , تكديس,تلطيخ, فيكثر العداء والصراع والتزاحم بين عناصرها ,وتثقل الحياة عندها بمللها وانفعالاتها,وهو ما يؤدي عندها اما الى
تكلّس منظوماتها التربوية والاجتماعية واللغوية... فتنشر البخل والخبث والفساد,وتعطّل ملكاتها ومواهبها , وتدعم البلادة والسذاجة والغباء والتهور والتعجرف والحماقة, و يصعب بذلك عندها التفكير والتعلم , فتستجيب لنزواتها المباشرة واللحظية المحكومة بطبيعةالمكان , يغيب عندها المعنى والرمز فتلغي الاخر طبيعة او انسانا اوتنظيما ,فتصبح بعيدة عن نظم الحياة المتطورة و المعقدة-,لذا فهي لم تستطع ان تنتج او تملك نظاما بسيطا متجانسا وفعالا في حياتها حتى في الامور التي تبدو عادية,وامام كل امر تبدأ من جديد لانعدام التراكم والتجربة , فلا تتعلم من خطئها , لانها لاتدرك الفاعل الحقيقي في الحياة,سلوكاتها طائشة ومبعثرة - العمران اللغة العلاقات الحركةالعامة- لا يتكون عندها تصور سليم عن الحياة لذا لا تلتزم بالحدود ولا تدركها, تشتغل بالاخر الذي يختلف عنها فتعلق عليه او تسخر منه او معجبة به او معادية له دون سبب, تتحدث في كل الامور دون فهم ووضوح و بنفس اللغة التي لا تميز بين العناصر و المواضيع والحقول لان ليس لها فكرة عن كيفية بناء الحياة ومراحلها ,والتطور وكيفية حدوث الحدود والفترات, ومتى تتم القطيعة وكيفية تشكيل العتبة لمرحلة لاحقة, او الى
تفسّخ ولقاطة لنظمها السياسية والاقتصادية والمؤسساتية التي تحول عبثا وحماقة هيكلة وصياغة الاجتماع العام واشكال الثقافة والتعليم والتنظيم العمراني والاهتمامات العامة , وتوهّما توجيه الاذواق والرغبات بتفجير المكبوت والغرائز واعادة صياعة الجسد واللذة , وفق الية ميكانيكية يغيب فيها الوعي والفعل المدني الناضج والتوازن والاستقرار في البنى القائمة فردية, جماعية او تنظيمية ,فتنتشر بها الهيستيريا بجميع حقول الحياة- سياسية ,عمرانية, ثقافية, تدينية...- , ويصبح التدافع والاحساس بضيق مجال حياة بالناس طابعا عاما, فتزداد حدة التصادم بين العناصر والاطراف - في اي وضعية كانت ويستغنى الناس عن التفكير والتعلم والتهذيب والتعبد , لان هيمنة البروتوكولات ولغة المجاملة والمغازلة والمماهاة هي الطابع العام للحياة, يغيب الزمن والتاريخ ويلغيان معهما مسألة الهوية والالتزام بالعقود وتتشكل الشخصية الانية والصورة اللحظية , من اجل الاستجابة الالية لما يحدث دون تكليف أو الزام معرفي او وعي مسؤول , وبغياب الاجتماع, تفرغ الهياكل والبنى من مواضيعها و مضامينها - أسرة ,عائلة, مجتمع’ مؤسسة.. ويعوضه القطيع, ومعهما يغيب المستقبل والمصير والعواطف والقناعات , انه الاستغباء العام واللامبالاة . هذه الوحدات والعناصر الاساسية لبناء الحياة والمدنية والحضارة والرسالة -الفرد, الجماعة, الشعب ,المجتمع ,الدولة ...-تتحرك باشكال فوضوية عبثية استجابة للقوى الفاعلة والحقيقية والغئبة عن المدركات والوعي العام , يحكها الوهم عندما تتوفر لها فرصة ممارسة السلطة فتسيئ للاخرين ,وتعيش الكابوس عندما تحاصرها الظروف وينغلق عالمها فتسيئ الى نفسها ,وتعيش الحلم فلا تدرك وهي تتحرك أنها تفسد . واما تعاملها مع واقعها وحياتها فان العجز والضعف والفشل والعياء والركون الى الراحة والبحث عن الجاهز -حتى وان كان غيرصالح -,هي السلوكات السائدة في تعاملاتها وتصرفاتها كشكل من الامبلاة والعبثية والاستهزاء والاستخفاف بالامور, تميل الى التهريج والقذف والسب والشتم في كثير من الاحيان للذي لا علاقة لها معه -السخرية -تعشق التفرج على الاخر والتحدث عنه - الغائب المهيمن على حياتها
ان انعدام الجدية والعجز في اتقان العمليات مسألة مهمة في احداث تشريح اجرائي للحركية الاجتماعية والاقتصادية لهاته التكوينات وعلى مستوى الحقول المتعددة و المنخرطة فيها - ثقافة , اجتماع,سياسة, اقتصاد..., لانخفاض مستوى اهتماماتها, انها تعيش التفكك الدائم ومحاولة اعادة التجميع لنفس الصيغ السابقة تحت ضغط المخيال الجماعي والضمير الغائب, لذا فهي تعيش هاجس الوحدة الغائبة والقيم المطلقة , او تعيش التقليد والسرقة والتماهي مع الغائب .ان مساحة الاشعور واللاوعي واللاارادي والمكبوت عندها كبيرة ولا تمنحها الفرصة للتفكير والمراجعة والنقد والتعلم , فكيف بامكانها ان تصل الى احداث تجربة ذاتية متحررة من هيمنة التراث ومنافسة للمدنيات القائمة , وايجاد صيغ جديدة ابداعية محررة وهي تمارس التردد والارتياب والتهور والحماقات , مع تزايد فقدانها للاحساس كشرط اساسي للتفاعل الحي, وغياب الانتباه كملكة قاعدية للتفكير المسؤول
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire