المدينة : رؤية اخرى
6 août 2013, 18:31
الا
تستحق المدينة رؤية اخرى؟
لقد تعقدت مع الزمن المفاهيم وصعب ادراك الامور او القبض
عليها وبالتالي التحكم فيها, لانها تستوجب استحضار كم هائل من التطبيقات
والبرامج والاليات المتعددة , وفي حالة الفشل تصبح الفوضى والتشوه وانعدام
النسقية وكثرة الصدامات وانحسار السقف وزيادة الازمات المحبطة امرا واقعا .
قد تشمل هاته القاعدة اي امر او موضوع او حقل من حقول الحياة المختلفة .
واذا اعتبرنا المدينة موضوعنا للتشريح ,فانه نظريا , وبعدما اعتبرت
المدينة في السابق تجمعا سكانيا , اصبحت فيما بعد تنظيما عمرانيا , وانتقلت
الى امتداد متعدد الانشطة , لكن مع التطور الحاصل بها ,وتعقيد الحياة
عموما باشكالها وطبيعة الثقافات والتنظيمات السائدة بها ,والمساحات
المحيطة بها والمجال الواقعة به والفضاء المتحركة فيه , واصول وانتماءات
سكانها ومتردديها ومريديها السوسيو ثقافية والاثنو-جغرافية, والمنظومات
المختلفة المؤطرة لها, والعمليات الكبرى التي تتم داخلها وعليها , لم تصبح
هناك مدينة واحدة وانما مدن داخل المدينة الواحدة وبالنسبة للمدينة الواحدة
, مدينة النهار ومدينة الليل المناقضة لها ووجهها المظلم.ان مدينة النهار
مكشوفة وباستمرار للتقهقر والتحول ,معروضة للاستهلاك المباشر والنقد العام ,
والحركة المتزاحمة وهستيريا الفئات المختلفة وفي الاماكن المتعددة
والمتنوعة - وكل له ملاحظاته الغريبة حولها...- اما مدينة الليل, مدينة
الظلام باحياء محددة أوالانوار الخافتة لشوارع بارزة أوالمساحات المنارة
بشكل مرهب . تكثر فيها الحركة حول المزابل لحاجات خاصة ,وتعج فيها الاماكن
المهمشة والخفية من اجل ممارسات تعتبر قبيحة وشاذة ,وتتشكل التجمعات بالقرب
من اعمدة الكهرباء من اجل ممارسة لعب تقليدية الية تعطل العقل وتفسد حتى
نوم السكان القريبن منها, بعدما تم التقاط علب الكارتون لافتراشها واقتلاع
ارضية الارصفة وبعض ادوات الورشات البنائية بالمدينة للجلوس والاتكاء عليها
, واستخدام كل ما يصلح لذلك-قارورات ماء فارغة واكيالس بلاستيك او افتراش
الارض , او الاصطفاف على الارصفة وبجانب البالوعات والخوض في الاحاديث
المختلفة من الدين الى السياسة الى الجنس الى الامعقول...- تتشوه بها
الاجساد والاشخاص-, وهناك مدينة المراهقين الصانعين للازعاج والانزعاج
لاجيال سابقة عنهم بصراخهم واصوات دراجاتهم النارية واغاني غريبة الازمنة
والمواضيع بمكبرات سياراتهم وأبواق شاحناتهم كمنفس لضغوطات بعوالمهم
الداخليةومكبوتاتهم, ومدينة الاعراس والمواكب الجاذبة للانتباه والخارجة عن
النص المدني يمتزج فيها الفولكلور بالحداثة الفجة, ومدينه اصحاب النظافة
وهم يوقضون السكان دون طلب منهم او انتباه لاْزيز عجلات نقالاتهم , ومدينة
الادارة المنغلقة على نفسها ومعطياتها واحصاءاتها الجافة وقراراتها التقنية
المعطلة بين الملفات والادراج والقاعات ,ومدينة النساء والعجائز بتقاليدها
وفولكلورها ونهمها في تجميع كل ما يعرض للبيع,لا علاقة لها بالمعرفة
والمدنية ومشكلة الحضارة والعولمة, ومدينة التلاميذ والطلبة الذين يعتقدون
وهما ان ما يمنحهم الاستاذ في الحجرات هو مادة معرفية فاعلة في الحياة التي
طحنت معلمهم , ومدينة الشيوخ الباحثين عن اماكن للجلوس الهادئ حيث يتمكنون
من ان يخبؤوا قطع الكارتون في الاشجار للجلوس عليها في الايام الموالية ,
ومدينة الاغترابيين الذين تقذف بهم كوابيسهم واحلام نهارهم الى عوالم
افتراضية يتماهون لينفلتوا من خلال سلوكات سوريالية لا علاقة لجسد صاحبها
مع عالمه وحقيقة واقعه وازماته الحادة ,ومدينة المثقف الواهم بامتلاك
المعرفة وفهم الحياة والباحث عن فرصة تمكنه من ان يقهر الاخرين بخطابه
وهيأته واحكامه لتمنحه شرعية الوجود السلطوي, ومدينة المنسيين وهم كثر
مرميون بالمشتشفيات ودور الاجتماع والطفولة ومساحات الترفيه... ومدينة
الاطفال التي تتم في الغالب بين كابوس السطة الابوية او التمرد وتحويل
الاشجار وكل ما يصلح للعب والسخرية وازعاج الكبار عمدا ان يتم , ومدينة
الناقمين الذين لاتتجاوز حياتهم الشارع الذي يمرون به ومل التسوق المألوف,
ومدينة الحمقى والمجانين والمتسولين والغرباء والمتسللون الذين يعرفون
خبايا الناس والمدينة في غفلة من اهلها ,ومدينةالوجود الاستعماري و الذاكرة
الشعبية والموروث الفولكلوري الثقافي والسرد الشفوي,ومدينة الاحياء
المختلفة حيث تباين المفردات وعالم الاشياء والتسميات واضحا, يحدد
الانتماءات الثقافية والعرقية والعائلية والجغرافية ,ومدينة العمران
البرجوازي الشاذ الموضوع دون هوية وامتداد بالمنطقة ,والمدينة الريفية داخل
المدينة ... ان العملية تتعقد ويصعب معها امتلاك تصور مركب للمدينة من اجل
طرح مسائل متعددة للمناقشة كالثقافة بالمدينة أو القيم المدنية أو
التنظيم العمراني... لاشكال المدينة المتعدد والمتناقض والمتضاد , انها
المدينة التي تتارجح بين التفكك والتمزق والتصادم لوحداتها وعناصرها
ومكوناتها المختلفة من جهة, والوحدة الافتراضية المتعددة بحسب الشرائح
الاجتماعية والفئات والاجيال المختلفة من جهة اخرى. انها المدينه الباحثة
عن نفسها وهويتها وفضائها التطوري , من اجل تحرير الفرد من حالات الاحتباس
النفسي والعصبي والذهني والمعرفي وحتى الجسدي , والمحاصرة للامكنة ولعالم
الاشياء بها ...انه ومن اجل رؤية اخرى أملا في انبثاق حياة مدينيّة ومدنيّة
يجب التفكير في فتح نقاش ممنهج قصد الوصول الى صياغة اشكالية مستقبلية
للتطور العمراني والحضاري قد تتفتح منها انساق للحياة اكثر نضجا وتطورا ,
تحرر الوعي وتخلق التمازج بين الالوان المطروحة سابقا , فتعانق مدينة الليل
مدينة النهار من خلال التفاعل بين الاجيال والانماط والاذواق لخلق فسيفساء
عمرانية بهوية متعددة الابعاد وافاق مستقبلية حالمة
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire