مقاربة جيوفيزيائية للواقع العربي الراهن
3 novembre 2013, 19:24
يمتد
العالم العربي في التاريخ و في الجغرافيا بحجم الموروث المخزّن باعماقه
,والتجارب المتعاقبة عبر اجياله ,والثروات المتنوعة بمساحاته , ويتسع في
التراث وفي السماء من خلال المدنيات التي عرفها والرسالات الكبرى التي
يحويها ,ويكبر بشعوبه وباحلام اطفاله من خلال التنوع الثقافي والاثني وثقل
الواقع وقساوته, ولكنه في نفس الوقت يتراجع بالانهزامات المتكررة لمن طرحت
نفسها نخبا له و وصيا عليه ,و الاحباطات المتوالية لدى من انخرط في الامل
بوعي او عفوية, و يضيق بحرمان الطيبين فيه من خلال تسليمهم بالامور سذاجة,
والظلم المنتشر به عمدا وتعمّدا ,ويصغر في عين اعدائه اصحاب الاستراتيجيات
الكبرى والمعطيات الدقيقة حوله وبمكنون تاريخه ,ومفسديه اصحاب النفوس
المريضة والمكبوتات المشوهة. انها جدلية الواقع العربي المتارجح بين جاذبية
المشارق المقطّعة و المتمزقة والمغارب المتباعدة و المتباغضة,وتصادم مصالح
القوى الخارجية المتعددة والموجهة لما يحصل فيه من تحولات عميقة بما يلائم
ايديولوجياتها وفلسفاتها ورؤاها المستقبلية, و لا يظهر - على السطح - الاّ
انعكاسات ارتدادية لها , تتحول الى رعشة عند اهله وبعثرة في عالم اشيائه
وتداعي لأبنيته الموضوعة شكلا ودون اسس قائمة ,وتآكل لنظمه الملفّقة ,
فتفقد اللغة المستخدمة عنده مدلولاتها أمام الدهشة ,والانبهار, وحالات
الاغتراب المهيمنة ,والصمت الرهيب, وزيادة حجم الفساد ان التعبير الفولكلوري الذي تعشقه الجماعات الحاكمة واصحاب المصالح والانتهازيين , يغلفه خطاب دوغمائي , لا ايديولوجية له , يبحث باستمرار عن مضمون يلصقه به ليمنحه الشرعية في الممارسة والقداسة في التبرير, و ينتظر الانفعالات الحاصلة لدى شعوبه التي يتفجر لديها المكبوت التاريخي , والارتدادية للزمن البعيد وعودة الذاكرة البعيدة , استجابة لخطابه الدعائي والتحريضي والتبريري , غافلا و متجاهلا ان التجارب المدنية اثبتت ان قوة الخطاب تكمن في الطرح المنهجي لمضامين اكثر كثافة وعمقا ,و قدرة على رسم مساحات اكبر للنقاش تمنح الفرص لاطراف متزايدة بالانخراط في عملية تهذيب و تفعيل الفكر الاجرائي الذي يمكن للشعوب أن تتحرك من خلال ما تملكه من بنى مجتمعية و اجتماعية مختلفة , وليس كحركة قطيع مندفع وسلوك للكتل البشرية المتراصة دون تنظيم مدني او قيمي ,ثمة تكمن بداية التبلور للوعي من خلال النقاش المفتوح و الحر ,و الذي معه تتشكل معالم الموضوع و حقل المعرفة ليبدا الحوار و الجدل و التاسيس النظري لمرحلة لاحقة اكثر اشراقا. ان الجماعات المهيمنة و الخطاب المطروح يفضلان التعامل مع الشعوب كامتداد بشري افقي و ليس كمجتمعات أو قوى و تيارات و نخب , لانها تريد شعوبا بليدة و مطيعة, لاتقوى على الفهم , لتتاثر بالدعاية اكبر و تندفع اكثر مما هو منتظر منها و كأن الامر يخصها هي , مهمشة تقتات على ما تم اجتراره من التاريخ والتراث وفضلات المدنيات المتطورة ,ويعيش مثقفوها التملق والتاهي ,والتارجح بين المحافظة على مصالحها مع الشعب ,و مصادرة لقيم الوجاهة منه,او ضمان امتيازات مع السلطة المهيمنة ومستعدة للتوظيف الجيد من طرفها, لذا يتهم اغلبها بالخيانة والاستغلال والمتاجرة بوضعيات الشعوب , موهمة الناس بانها تفقه الامور الغامضة وتملك الحلول للقضايا المعقدة, من اجل ان تكون بديلة للواجهة المعروضة , بدلا من ان تعمل على تنوير الشعوب ومساعدتها على تحرير نفسها من مجموع السذاجات و الغباء والبلادة و الانفعالية الثورية الغير ناضجة, ليتم التعامل مع الواقع وتعقيداته , وكأن المسالة تراثية أو سياسية فقط , لابعاد أي نقد أو مراجعة من على طاولة الواقع المعروض امام اغتيال العقل وتعطيل الية انتاج المعرفة وهيمنة الافكار والاحكام المطلقة التي تنزع نحو اللاهوت والقداسة برغم طابعها الخرافي ,من اجل أسطرة الاحداث والسلوكات والاشخاص , وبالتالي يتم تفريغ الشعوب من طاقات آلامها و أحلامها, وتفقيرها لتعيش و باسمترار حالة انتظار للمنقذ أو وضع متردد خوفا وطمعا ,أو الاندفاع والتهور الاحمق تحت اغطية مقدسة, فتهدم عالمها وتعيش التآكل والضياع , ولا تملك فرصة للتعلم طالما تقف أمام سلطة معيقات تزداد معها التوترات شدة و اللااستقرار تهديدا لأي مبادرة او تفكير , وتجهل أن ما اخرج الشعوب نحو افاق ارحب - عبر التاريخ البشري- هو نفسه الذي اعاقها وحولها الى اداة طيعة عندما تحول - هذا الرمز-الى سلطة منفصلة عن عالمه ومآسيه, فوجدت نفسها( يعني الشعوب) مرهونة دون قدرة على ايجاد مخرج من اوضاعها المتأزمة والمتوارثة وقد اغلقت الافاق و تلاشت الاحلام والامال والطموحات ( سواء كانت التجربة ايديولوجية او سياسية او دينية او فكرية أوحتى فنية...) , و أن عمليتا التحول والتطور تؤولان -عند سقف ما -الى تحجّر, وفي شروط ومتغيرات غريبة - مثل الجيولوجيا - تتحول مراحل مشرقة في التاريخ الى متحجرات تراثية , لايمكن التعامل معها الا من خلال عمليات الحفر واعادة قراءتها و اكتشاف القواعد التي تحكمت في منحنى فيزياء تاريخها وصيرورتها
ان العالم العربي وشعوبه لا يقعان في جزيرة مفصولة او كوكب متميز , انهما جزء من مجموع التحولات الجيوتاريخية والتراثية والثقافية وفيزيا ء حركة التاريخ وكيمياء الثقافات والمدنيات وصناعة الانظمة وهيكلة المجتمعات وميلاد العقل بأنواعه وقضاياه المختلفة والمتناقضة في كثير من مراحل التاريخ على الارض ,ان جيولولوجيا التطور لا ينفلت منها العالم العربي الذي -يبدو بتصرفات شعوبه وحكامه ونخبه- يجهل القوانين الكبرى الفيزيائية لانبثاق أو انتقال أو هجرة المدنيات و زحزحة الصفائح التراثية من تحت ارضية البنى والهياكل ,او طغيانها على السطح مرة اخرى من خلال التصادمات الكبرى وليس بمجرد الاحتكاك والتاكل التدريجي ,ومجموع التحولات والعناصر التاريخية المهمة في الانتقال و البناء, انها شروط ايكولوجية الثقافة و توزيع المدنيات على الارض , وان تغييب اي طرف هو نفي لعمليات التراكم والتفاعل والبناء , و لكن قد يحصل تعطيل لعناصر كثيرة من اجل عمليات مستحدثة, ولن تكون ارض الامل كلها سهولا , فلا تتوازن جيولوجيا الحضارات والمدنيات دون توزيع متزن للقوى الفاعلة والمؤثرة في بناء الحياة
ان العالم العربي ينخفض بتعامله الى مستوى الطفل الذي يمسك بين اصابعه كما من الطين فيعجنها دون ان يمنحها روحا باعثة حية او شكلا مميزا , فينتهي الامر به الى تركها وقد اتسخت ثيابه وتبللت والتصقت قطع العجين بأطرافه و وجهه , ان هذا السلوك لا يرقى الى مستوى الصناعة, أو العمل الجيولوجي والتاريخ الجغرافي والجيوديزي الاكبر من اجل اخراج كوكب في مرحلة تطورية اكبر وارقى , ان العالم العربي قطعة من هذا العالم المتداخلة اطرافه والمتفاعلة عناصره ضمن صيغ كيمياء الحضارات وفيزياء الاقتصادي, التي تعرف جميعها اشكالا من التعرية الاجتماعية والتصحر الثقافي والمعرفي, لتتشكل بعوالمها أكوام من التنظيمات والهياكل المتضاربة دون احداث تراكم حيوي
ان ما حدث وما يحدث بالعالم العربي من انفعالات وممارسات عنيفة , وتحت تأثير الدعايات والتحريض, وافلاس المنظومات ( المدرسية والمجتمعية والمعرفية , الموروثة والقائمة) قد بعثر معطيات الوعي البسيط وأفرز تنظيمات وحركات متباينة تعبّر عن تفجيرات للمكبوت التاريخي بعد عودته ,و طفو اللاوعي الجمعي العربي لمراحل جيولوجية النفس العربية محدثا انقلابات كبرى و كاشفا لعناصر ومواد مشوهة أو ناقصة , ليسمح بذلك للقوى الاجنبية بمزيد من التدخل والتغلغل داخل صفائح التكوين الاجتماعي و بأدوات مستحدثة تمكنها من توظيف عناصر الواقع العربي وتضاريس نظمه المختلفة وايكولوجية الحياة العامة به ضمن استراتيجيات اقتصادية وحضارية كبرى بغطاء دولي يسمح باعادة صياغة المنطقة وهيكلة بنيتها الجيو-ثقافية والدينية بما يتوافق والرؤى المستقبلية لمراكز الدراسات الاستراتيجية الراسمالية ومصالح القوى المتصارعة عالميا , بالطبع ستظهر معها قوى محلية هجينة لم ينضج نموها ودون ايديولوجية ,و في غياب عقد اجتماعي يلزمها الوفاء باتجاه الشعوب او النخب -الغائبة -, متقاطعة مصالحها الانية مع القوى الاجنبية وستعمل بالضرورة على ممارسة اشكال من القمع و التعرية والحتّ على شعوبها و ترويضها من خلال الحفر الدائم بخطابات وهمية خاوية من اجل دفعها الى الاستقالة العامة من الحياة , وعودتها الى اجتماع القطيع والقطعان والفردانية النتنة.ربما هو نهاية للدولة المستنسخة عن الاستعمار من اجل تنظيم سياسي هش يلتزم اكثر بعقوده مع الشركات والمؤسسات والهيئات الدولية, وتفكيك للمجتمع الموروث نحو اجتماع افقي لا تحكمه القيم و لا يعيش التنافس ,ولكن تتنازع عناصره من اجل اقتسام الثروة المعروضة والمرهونة للمصادرة والبيع. لقد تغيرت المفاهيم لكثير من الحقول كما تغيرت العلوم وحقولها ومصطلحاتها وتقنياتها ومناهجها , ولا يمكن قراءة الامور الا من خلال ما هو احدث , بما فيها الجيولولوجيا والسياسة, فلم تبق الجيولوجيا مجرد رسم وتحديد لطبقات متعاقبة امام قدرتها على منح التفسيرات المتعددة لما يحدث في النظام الايكولوجي المتغير وامكانية استشراف لافاق مستقبلية , وهذا ما يمكن اسقاطه على جيولوجيا السياسة والثقافة والتاريخ والمجتمعات العربية ,والامثلة متعددة في ذلك. الم تصبح السياسة حقلا من حقول الدراسة , وبدلا من ان يبقى للدولة مفهوما ثابتا وللديموقراطية-مثلا- كنموذج حكم سائد شكلا نهائيا , اصبحت اشكالية نماذج الديموقراطية واشكال الدول عبر التاريخ الحديث - على الاقل منذ قرنين- وصولا الى دولة ونظام ما بعد الحداثة وما بعد الايديولوجيا. الا يعصف هذا كله بما هو موضوع شكلا بالعالم العربي من بنى اجتماعية وسياسية وثقافية ولغوية , وتنظيمات مختلفة, وخطاب موجه, امام ازمنة جديدة وغريبة ومتسارعة ,هي الان تقترب من محيط العالم العربي , المتحجرة اغلب مساحاته والمتآكلة تحت تأثير عوامل الانجراف الحضاري المتنوعة
لنحاول أن نقرأ الامور و بطريقة مخالفة لعرض الاحداث على الساحة العربية , والانطلاق من فرضيات اخرى : احادية :سوسيولوجية او جغرافية ,او مركبة : سوسيو ثقافية او جيوسياسية او سوسيو اعلامية ,,,اليس من استراتيجية الغرب ان يغير خطابه براغماتيا قصد تغيير اليات وقواعد اللعبة مثل ما يفعل بالرياضات الاولمبية والقوانين الدولية, اليس انفجار العالم العربي هو مجرد تنفيس لمكبوتات تراثية هامشية لا ترقى الى احداث نقلة او تغيير في مسار التاريخ الحضاري العربي , في غياب ملامح لمشروع نهضوي قائم , يسمح بمنافسة المدنيات الكبرى , او اشكاليات كبرى يشتغل عليها حول مصيره المرهون, او قلق وحيرة لدى من تتحرك على اساس انها نخب تحتل الساحة , الا يمكن الاعتراف بان الطاقات العربية المعطلة تم تحويلها الى الية لانتاج العنف داخل المجتمعات العربية و توجيهه لعرقلة القوى الحية التي يمكنها ان تنتج وعيا مدنيا وحضاريا . هل السياسة فقط هي الحقل المهم في الحياة العربية , و هل الازمة العربية ترتبط بالسلطة , والسلطة السياسية فقط ,اليس انتاج المعرفة والتكوين والثقافة والتنظيم العمراني والصحة المدنية امور اساسية,بدلا من توزيع المعارف كالسلع الاخرى المستوردة برداءتها من مجتمعات الفائض, ألم يكن للغرب نية اعادة ترتيب العلاقات الجيوسياسية ورسم خريطة مستحدثة كبديل لمشروع سايكس بيكو لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الاولى , ومشروع كيسنجر اثناء الحرب الباردة, والان مشروع ما بعد الحداثة و الذي بدا مع المحافظين الجدد بالولايات المتجة الامريكية
ألا يمكن اعتبار ان ما يحدث بالعالم العربي قد يدخل ضمن استراتيجية صناعة الوهم بان شعوبه قوية وقادرة على التغيير في الوقت الذي هي فريسة لمشاريع اقتصادية وثقافية كبرى جعلت منه مستهلكا ومهتلكا ,دون ان تتشكل مجتمعاته ( مجتمعات دون طبقات و بقيم متضاربة , عاجزة عن صناعة صيغة مدنية بسيطة , امام انتشار الجهل حتى بالامور الخاصة ) , أو ان أنظمته نماذج في الحكم العادل والقويم وتجربة رائدة , اليس ما يحدث يراد منه ان يهتم العربي بالمسالة السياسية فقط وينسحب ويستقيل من الحياة الثقافية والعلمية والمعرفية والاجتماعية , لتغرق مدنه في الجريمة والفوضى وانهيار منظومة القيم المدنية , وتأكل البيروقراطية النتنة مؤسساته , و يطحن الصراع حياته الاجتماعية , و يفتقر افراده الى الوعي البسيط بحياتهم .اليس ما يحدث هو تمكين الغرب من ان يتغلغل اكثر في بنيات المجتمعات العربية وبصيغ وادوات اكثر خطورة . فهل فعلا ان الانظمة السياسية مفصولة عن العميات التطورية الكبرى للتاريخ , اليس للمنظومات المختلفة ( لغوية معرفية ثقافية عقائدية سوسيولوجية...)دور في صناعة وضعية تاريخية معقدة كالتالي يعيشها العالم العربي , وهل فعلا أن التاريخ تغيره الشعوب, وهل الشعوب وحدها هي الفاعل , أوليست الشعوب خليطا غير مميز
ان التحولات التاريخية الكبرى قد عرفت نخبا و رسالات و طبقات متميزة بوضعها السوسيو سياسي وحركات وعي عميقة , تزامن معها التغيير الذي يحمل في طياته قيما ,و مستحدثا ومحدثا في نفس الوقت قطيعة ابتستيمولوجية ,و راسما لمعالم متميزة لحركته. ان الحضارات والمدنيات لا تحكمها اجهزة الاستخبارات , ولكن تقودها مراكز البحث الابداعية والدراسات المتميزة و مكاتب العلم الدقيقة بمناهجها و الاكاديميات الذكية ,و حركية مجتمعاتها المنتجة و المنظمة و الواعية و المسؤولة - و ليس شعوبها - و الفرق واضح بين الاثنين سواء من الناحية المفاهيمية او التكوينية لكل منهما , لكن هناك فرق بين الخطاب ( مهما كانت طبيعته ومضمونه ) و العمل و الممارسات الفعلية الخفية و البعيدة عن الأعين , او حتى الظاهرة , اليس من الافضل التركيز اكثر لايجاد صيغا لقراءة ما حدث و يحدث, بالعودة الى - قرنين على الاقل - من اجل فهم تجربة الغرب مع العالم العربي , و الغوص في التاريخ العربي العميق قصد اعادة اكتشافه - حتى بالنسبة لاهله -, و لن يكون الامر سهلا دون صياغة اشكالية لدى من يعتبر بالعالم العربي مثقفا ومتعلما او اكاديميا , اليست هي ازمة ثقافة ومقف , او معرفة و مدرسة , او عقل و لغة , او لم تتحدد بعد المسالة التي يمكن الاشتغال عليها امام هاته الفوضى العابثة والاستيلاب المتعدد الاشكال و الوضعيات العاصفة بالهدوء و الاستقرار العربي النفسي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي و اللغوي, و الهجرة و التهجير و الانسحاب من الحياة او الزحف نحو مساحات خارجية و بعيدة بحثا عن حالة هدوء وامل نسبي في انهاء الحياة دون استغلال أو فساد او ضياع عام وعارم
ان المتغيرات كثيرة عما ألفه الناس ,فالاعلام أصبحت تحكمه الدعاية, و السياسات حاصرتها البراغماتية ,و القرار السياسي لم يبق صناعه الحكام ,و الخطاب لم يكتف بان يبقى نصا ادبيا شفافا او تعبيرا شفويا يتحدث عما يمكن مشاهدته ,و الايديولوجيات تطورت الى اغطية وتعليب مجوف , في وقت أصبحت سياسة الامر الواقع و كثافة المجاملات و المغازلات من اجل كسب مزيد من المؤيدين هي المهيمنة في تسيير القضايا المطروحة , و لا احدا بامكانه ان يحسم الامر لوحده ,و لا يريد ذلك- وان استطاع- لعدم استعداده لتحمل المسؤولية وحده طالما هو مرهون بيد شركائه أو من كان لهم الفضل حتى في ايصاله الى هرم السلطة ( سواء معنوية او رمزية , دينية ام سياسية ), كما لا يمكن التسليم بان تكون دولة باكملها اداة في يد اي قوة -محلية كانت ام اجنبية- و انما تتقاطع الجماعات بمصاحها وامتيازاتها المتنوعة في حقل السلطة مع اطراف اخرى افرادا كانت ام جماعات و مؤسسات , لذا حتى فكرة الراي العام اصبحت غير مهمة - امام سوسيولوجيا الجماهير-حتى تعمل الدوائر الرئيسية على توجيهه , لان اغلب نتائج الانتخابات تتم و تحسم بجزئيات مزورة و بنسب قلية للمنتخبين , لقد اصبحت السياسة مساحة ليست بالمهمة لان هناك من يؤدي الدور افضل منها :انها المؤسسات العالمية التكنوقراطية والراسمالية والبلوتوقراطية التي لاتلتزم بالاخلاق او الايديولوجيا او حتى الانتماء القومي وانما البحث عن مزيد من الربح والتهرب الجبائي قد يدفعها حتى لتغيير جنسيتها و شعاراتها , و تحول المتلقون للخبر الى مستهلكين و سوقا للمنتوج الاعلامي , الذي لا يرقى الى مستوى امتلاك الوعي , لان الخبر أصبح يصنع بالمكاتب ( كنيجة لتخمينات او افتراضات او تعامل سطحي مع الامر )التزاما باحترام النظام الاعلامي العام.لقد اصبحت السياسة و خطابها ,و المجتمعات و نظمها ,و الجماعات و انتمائها ,صناعة وسوقا تتاثر بالتحولات الطارئة كالبورصات العالمية , فحتى الكذب و الوهم و الاتهام تعولمت جميعها وهي التي تحكم العالم حاليا , لان النخب مصنوعة لتادية ادوار معينة و الشعوب ليست في مستوى ادراك ما يحدث لمستوى تكوينها الهش وانفعالها الدائم لامور ارهقتها وجعلتها غير جادة امام عودة المكبوت الجمعي ,لتتغذى على الطمع والانتظار والتهور, وتحركها الاحقاد والعدائية الزائدة , اليس هو بداية لزمن جيولوجي للشعوب والمجتمعات والدول امام التغيرات الحاصلة على مستوى الاشخاص والجماعات وعلى مستوى الذهيات والنفسيات والممارسات المتباينة بالواقع الغير مرصود, طالما هناك كما هائلا من السلوكات والتصرفات والاحداث التي لا يعرضها الاعلام ولا ينتبه لها الناس وليس هناك ادوات اشتشعار لتلمسها او افتراضها ,انه زمن جيولوجي لمدنيات مقبلة تتجاوز المالوف والمعهود والمتخيل , يبدا بانكسارات كبرى و انبعاث لمواد غريبة وبروز تشكيلات , ربما هي عودة لديناصورات سياسية وثقافية ودينية , او استنساخ لنماذج مستحدثة بأشكال غريبة و بأدوار تاريخية متميزة , او افرازات لتشكلات معقدة في ازمنة مناخ حضاري مركب ومتعدد الابعاد نحو افاق تزداد انفتاحا رغم ضيق مساحات الشعوب والحياة اليومية التي تتعاطاها
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire